أبي بكر جابر الجزائري

539

ايسر التفاسير لكلام العلى الكبير

بالعمل بها والدعوة إليها وواعدني بالأجر عليها . وقوله وَما أَنَا بِطارِدِ الْمُؤْمِنِينَ أي وما أنا بمطيعكم في طرد المؤمنين من حولي كما اقترحتم عليّ ، إنهم ملاقو ربهم ، ومحاسبهم ومجازيهم على أعمالهم فكيف يصح مني ابعادهم عن سماع الحق وتعلمه والأخذ به ليكملوا ويسعدوا إذ العبرة بزكاة النفوس وطهارة الأرواح بواسطة الإيمان والعمل الصالح لا بالشرف والمال والجاه كما تتصورون ولذا فأني أراكم قوما تجهلون هذا ما دلت عليه الآية الثانية ( 29 ) ثم قال لهم في الآية الثالثة وَيا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي « 1 » مِنَ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ أي من هو الذي يرد عني عذاب اللّه ويمنعني منه إن أنا عصيته فطردت أي أقصيت وأبعدت عباده المؤمنين عن سماع الهدى وتعلم الخير ولا علة لذلك إلا لأنهم فقراء ضعفاء تزدريهم أعينكم المريضة التي لا تقدر على رؤية الحق وأهله والداعين إليه . ثم قال لهم أَ فَلا تَذَكَّرُونَ « 2 » أي تتفكرون فتعلمون خطأكم وجهلكم فتثوبوا إلى رشدكم . وتتوبوا إلى ربكم فتؤمنوا به وبرسوله وتعبدوه وحده لا شريك له ثم قال لهم في الآية الأخيرة ( 31 ) وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ « 3 » ردا على قولهم : وَما نَرى لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ ولا أعلم الغيب فأعرف ما تخفيه صدور الناس فأطرد هذا وأبقي هذا ، ولا أقول إني ملك حتى تقولوا ما نراك إلا بشرا مثلنا وَلا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ « 4 » لفقرهم وضعفهم لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْراً اللَّهُ أَعْلَمُ بِما فِي أَنْفُسِهِمْ أي من صدق أو نفاق ومن حب لي أو بغض كأنهم طعنوا في المؤمنين واتهموهم بأنهم ينافقون أولهم أغراض فاسدة أو أطماع مادية من أجلها التفوا حول نوح ، وقوله إِنِّي إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ أي إني إذا قلت للمؤمنين من الضعفاء لن يؤتيكم اللّه خيرا كنت بعد ذلك من الظالمين « 5 » الذين يعتدون على الناس بهضمهم حقوقهم وامتهان كرامتهم . هداية الآيات :

--> ( 1 ) أي : من يرد عنّي عذابه إن استوجبته بطرد عباده المؤمنين ؟ والجواب : لا أحد فكيف إذا يسوغ لي أن أطردهم كما ترغبون . ( 2 ) أَ فَلا تَذَكَّرُونَ قرئ : تذكّرون بحذف إحدى التاءين وقرئ تذّكرون : بتشديد الذال ، بادغام إحدى التاءين في الأخرى . والاستفهام للإنكار أي : ينكر عليهم غفلتهم وجهلهم وعدم تذكرهم ليتّعظوا . ( 3 ) أخبر عليه السّلام بتذلله وتواضعه لربّه عزّ وجلّ فنفى عن نفسه القدرة على امتلاك خزائن الفضل والمال كما نفى عن نفسه علم الغيب وأن يكون ملكا من الملائكة . ( 4 ) أي : تحتقر أعينكم . والأصل : تزدريهم ، حذفت الهاء والميم لطول الاسم ، والازدراء : افتعال من الزري الذي هو الاحتقار ، وإلصاق العيب فالازدراء أصله الازتراء فقلبت فيه التاء دالا فصار : الازدراء كما قلبت في : الازدياد . ( 5 ) في قوله : لَمِنَ الظَّالِمِينَ : تعريض بقومه ، فوصفهم بالظلم من حيث لا يشعرون .